القرطبي

20

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثانية - هذا يدل على فضل أول الوقت في الصلاة وعلى فضل الصف الأول ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا ( 1 ) عليه لاستهموا " . فإذا جاء الرجل عند الزوال فنزل في الصف الأول مجاور الامام ، حاز ثلاث مراتب في الفضل : أول الوقت ، والصف الأول ، ومجاورة الامام . فإن جاء عند الزوال فنزل في الصف الآخر أو فيما نزل عن الصف الأول ، فقد حاز فضل أول الوقت وفاته فضل الصف الأول والمجاورة . فإن جاء وقت الزوال ونزل في الصف الأول دون ما يلي الامام فقد حاز فضل أول الوقت وفضل الصف الأول ، وفاته مجاورة الامام . فإن جاء بعد الزوال ونزل في الصف الأول فقد فاته فضيلة أول الوقت ، وحاز فضيلة الصف الأول ومجاورة الامام . وهكذا . ومجاورة الامام لا تكون لكل أحد ، وإنما هي كما قال صلى الله عليه : وسلم : " ليليني منكم أولو الأحلام والنهى " الحديث . فيما يلي الامام ينبغي أن يكون لمن كانت هذه صفته ، فإن نزلها غيره أخر وتقدم وهو إلى الموضع ، لأنه حقه بأمر صاحب الشرع ، كالمحراب هو موضع الامام تقدم أو تأخر . قاله ابن العربي . قلت : وعليه يحمل قول عمر رضي الله عنه : تأخر يا فلان ، تقدم يا فلان ، ثم يتقدم فيكبر . وقد روى عن كعب أن الرجل من هذه الأمة ليخر ساجدا فيغفر لمن خلفه . وكان كعب يتوخى الصف المؤخر من المسجد رجاء ذلك ، ويذكر أنه وجده كذلك في التوراة . ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول . وسيأتي في سورة " الصافات ( 3 ) " زيادة بيان لهذا الباب إن شاء الله تعالى . الثالثة - وكما تدل هذه الآية على فضل الصف الأول في الصلاة ، فكذلك تدل على فضل الصف الأول في القتال ، فإن القيام في نحر العدو ، وبيع العبد نفسه من الله تعالى لا يوازيه عمل ، فالتقدم إليه أفضل ، ولا خلاف فيه ولا خفاء به . ولم يكن أحد يتقدم الحرب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه كان أشجع الناس . قال البراء : : كنا والله إذا احمر البأس نتقى به ، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به ، يعنى النبي صلى الله عليه وسلم ) .

--> ( 1 ) أي إلا أن يقترعوا . ( 2 ) راجع ج 15 ص 137 فما بعد .